بقلم : د. محمد جمال الدين
لا تولد الأمم قوية، لكنها تُصنع صناعة دقيقة عبر تربية الوعي، وترسيخ القيم، وإعلاء المصلحة العامة فوق الأهواء الشخصية، وفي هذا السياق، تبدو توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي أثناء وجوده بأكاديمية الشرطة، كجزءًا من مشروع متكامل لبناء الجمهورية الجديدة، مشروع يرتكز على بناء الإنسان قبل تشييد المؤسسات، وعلى الوعي قبل الخطط، وعلى الكفاءة قبل المنصب، إنها رؤية تتجاوز اللحظة لتضع المجتمع أمام أسئلته الكبرى، كيف نبني دولة عادلة؟، وكيف نصنع جيلا قادرًا على النهوض؟، وكيف نجعل من القيم سلوكًا عامًا لا مجرد شعارات؟
حين يؤكد الرئيس أن المنشآت وحدها لا تصنع الإنسان، فهو يعيد تعريف مفهوم التنمية ذاته، فالتنمية ليست جدرانًا وآلات، بل عقلًا قادرًا على التعامل مع العصر، وضميرًا قادرًا على المساءلة الذاتية، وقيمًا قادرة على توجيه السلوك، إذ أن الوعي هنا ليس مجرد معرفة، بل حالة وجودية يرى بها الفرد وطنه قبل أن يرى نفسه، ويستشعر مسؤوليته قبل أن يطالب بحقوقه، فالإنسان الواعي هو الذي يزن اختياراته بميزان المصلحة العامة، ويعرف كيف يختار من يمثله في البرلمان، وكيف يرفض الجهل وقصر النظر، وكيف يميز بين الكفاءة والولاء، وبين من يعمل للوطن ومن يبحث عن وجاهة المناصب.
من أبرز ما شدد الرئيس عليه ضرورة اختيار الأكفأ في كل المواقع، من الوزير إلى لاعب الكرة، إذ أن هذه الفكرة ليست إدارية فحسب، بل فلسفية أيضًا فالعدالة لا تتحقق إلا حين يكون معيار التقدم هو القدرة والكفاءة، لا الانتماء أو النفوذ أو الوراثة، إذ أن المجتمعات تتراجع حينما تسود علاقة “من يعرف من”، وازدادت الفجوة حين حُجبت الفرص عن الموهوبين، فكانت النتيجة نزيف عقول إلى الخارج، واغتراباً داخلياً لدى الشباب الذين لم تمنحهم المنظومة ما يستحقون، ورؤية الرئيس هنا تتجاوز مجرد التشخيص، إنها دعوة إلى إعادة هندسة المجتمع ذاته على قاعدة تكافؤ الفرص، وهو ما لا تقوم به سوى مجتمعات واعية تعرف أن مستقبلها مرهون بمن تمنحهم مواقع القيادة.
وحين يتحدث الرئيس عن العادات والتقاليد والقيم فهو لا يستدعي الماضي، بل يستدعي ما هو ثابت في وجدان المجتمع، من قيمة العمل، احترام القانون، الإخلاص، وأمانة الضمير، إذ إن القيم هنا ليست مجرد سلوك فردي، بل بنية اجتماعية تُنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع، وتربط بين الحرية والمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات، فضعف الضمير وغياب المسؤولية الاجتماعية هو ما يولد الفساد، ويخلق الفوضى، ويفتح الباب للواسطة والمحسوبية، ويقوض أسس الدولة الحديثة،ولذلك فإن الدعوة إلى ضمير يقظ ليست وعظًا أخلاقيًا، بل شرطًا من شروط بقاء الدولة.
من القضايا التي شدد عليها الرئيس قضية الزواج والإنجاب، ليس من باب المحافظة الاجتماعية، بل من باب المسؤولية تجاه المستقبل، فأسرة غير مدركة لمسؤوليات التربية تنتج جيلا هشًا، مضطربًا، غير قادر على مواجهة التحديات، والزواج الذي لا يسبقه وعي، ولا تتبعه تربية، يتحول من مؤسسة لبناء الإنسان إلى عبء على المجتمع والدولة، إذ إن الأبوة والأمومة ليست امتيازًا، بل عبء أخلاقي ومعرفي، ومسؤولية تتطلب وعيًا وثقافة وقدرة على صناعة إنسان صالح، أما الإنجاب غير المنظم فليس إلا استنزافًا للموارد وهدراً للطاقات، وهو ما يخلق مشكلات اجتماعية واقتصادية تمتد لعقود.
إن الجهل ليس نقص معرفة فقط، بل هو غياب رؤية، وقصر النظر ليس خطأ فرديًا، بل خلل في بنية التفكير، ومشكلات المجتمع لا تُحل إلا بنقد ذاتي واع، واستعداد للمواجهة، وجرأة في الاعتراف، وإرادة في الإصلاح، لذا فإن رؤية الرئيس تقوم على فكرة جوهرة، وهي أن الإصلاح يبدأ من الإنسان، من طريقة تفكيره، ومن قدرته على الاختيار، ومن منظومة القيم التي تحكم قراراته اليومية، والمجتمع الذي يعجز عن معالجة مشكلاته يراكم أزماته، ويفقد قدرته على التغيير، أما المجتمع الذي يواجه فيستطيع أن يبني، وأن ينهض، وأن يحول طاقاته الخام إلى قوة إنتاجية خلاقة.
كل ما سبق يلتقي في نقطة واحدة، وهي بناء جيل جديد، جيل قادر على أن يحمل الدولة لا أن تنتظره الدولة، جيل يعرف أن العلم قوة، وأن القيم سلاح، وأن الإيمان بالوطن مقدمة للإصلاح، وهذا الجيل لن يأتي بالصدفة، بل عبر مشروع طويل يتداخل فيه التعليم مع الثقافة، والقيم مع الوعي، والسياسة مع التربية، وهذه الرؤية ليست تنظيراً، بل استراتيجية وطنية تدرك أن المعركة الحقيقية في المستقبل ستكون على الإنسان قبل أن تكون على الموارد.
إن ما قاله الرئيس السيسي ليس مجرد خطاب، بل خريطة طريق لإصلاح المجتمع وبناء الدولة العصرية، فالإصلاح لا يبدأ من القوانين وحدها، ولا من المؤسسات وحدها، بل من الوعي الجمعي لأفراد المجتمع، فإذا صلح الإنسان صلح الوطن، وإذا وعى المواطن استقام البناء، وإذا سادت الكفاءة والقيم والضمير والعدل أصبح الطريق إلى التقدم ممهدًا، والجمهورية الجديدة لن تُبنى إلا بسواعد أبنائها، ولن تنهض إلا بوعيهم، ولن تدوم إلا بقيمهم، وما دعا إليه الرئيس هو الطريق الذي لا طريق غيره، إلا وهو إصلاح يبدأ من داخل الإنسان لينعكس على الدولة، ومن الوعي الفردي لينتهي بوعي الأمة.
المحطة الإخبارية جريدة إليكترونية شاملة