بقلم : د. محمد جمال الدين
تواجه الدولة المصرية في المرحلة الراهنة جملة من الأخطار المركبة التي لا يمكن اختزالها في تهديدات خارجية مباشرة أو أزمات اقتصادية عابرة، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى أعمق وأكثر خطورة، يتمثل في الخلل البنيوي في الوعي المجتمعي، واضطراب منظومة الإدراك والفهم، وتراجع الثقافة العامة، بما ينعكس سلبًا على علاقة المواطن بالدولة، وعلى قدرة المجتمع على حماية ذاته من الاختراق والتفكك.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة كبيرة ليس العدو الخارجي في حد ذاته، بل قابلية الداخل للاختراق، واستعداد قطاعات من المجتمع بوعي أو دون وعي، لأن تتحول إلى أدوات في صراعات لا تدرك أبعادها ولا غاياتها النهائية، وفي هذا السياق يبرز جيل الشباب، وبخاصة ما يُعرف بـ«جيل زد»، بوصفه فاعلًا رئيسيًا في المشهد العام، لكنه في الوقت ذاته يمثل إحدى الإشكاليات المعقدة إذا يغيب عنه الفهم التاريخي، والوعي السياسي، والرؤية النقدية المستقلة.
لا يمكن إنكار أن هذا الجيل نشأ في بيئة رقمية مفتوحة، تتدفق فيها المعلومات بلا ضوابط معرفية أو معايير نقدية، حيث تختلط الحقيقة بالشائعة، والتحليل العلمي بالخطاب الدعائي، وتُقدم الأفكار في قوالب عاطفية سريعة الاستهلاك، ومع غياب التربية الفكرية، وضعف التعليم التحليلي، يصبح الفرد عرضة للتوجيه والتلاعب، لاسيما من قبل جهات داخلية أو خارجية تمتلك أجندات لا تتقاطع بالضرورة مع مصلحة الدولة أو استقرارها.
غير أن اختزال الأزمة في جيل بعينه يُعد تبسيطًا مخلًا، فالإشكالية أوسع وأعمق، وتمتد إلى غياب الوعي المجتمعي العام لدى قطاعات واسعة من الشعب، وانتشار أنماط من الجهل المركب الذي لا يقتصر على نقص المعرفة، بل يتجلى في الثقة المفرطة في أحكام غير مؤسسة، ورفض التفكير النقدي، والارتهان للخطاب العاطفي والشعارات، ويزداد الأمر تعقيدًا مع تراجع الاهتمام الحقيقي بالتعليم لدى الأغلبية، لا بوصفه شهادة أو وسيلة للترقي الاجتماعي فحسب، بل باعتباره أداة لتكوين العقل وبناء الإنسان.
وتتفاقم هذه الأزمة مع المشكلة السكانية المتنامية، التي لم تعد مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل تحولت إلى عبء ثقافي واقتصادي ومعرفي، في ظل استمرار ثقافة الإنجاب غير الرشيد، القائمة على العادات والتقاليد الباليه أكثر من التخطيط والمسؤولية، فزيادة عدد السكان دون الاستثمار في جودة الإنسان تُنتج أجيالًا تعاني من ضعف المهارات، وقصور الوعي، وعجز عن المنافسة، بما يهدد فرص التنمية والاستقرار على المدى الطويل.
ومن أخطر الظواهر التي أفرزها هذا السياق الاجتماعي ما يمكن تسميته بـ«نظرية الاستحقاق الزائف»، حيث يسود اعتقاد ضمني لدى كثيرين بأن الدولة مُلزمة بتوفير كل شيء، في مقابل غياب الإحساس بالواجب، وتراجع قيمة العمل، وتآكل مفهوم المسؤولية الفردية والاجتماعية، فيتحول المواطن من شريك في البناء إلى مطالب دائم، ومن عنصر فاعل إلى عبء نفسي واقتصادي، وتُحمل الدولة وحدها نتائج الفشل الفردي والجماعي.
وهنا يبرز السؤال الجوهري، ماذا يمكن للدولة أن تفعل في مواجهة مجتمع يعاني من هذا القدر من الاضطراب في الوعي والقيم؟، والإجابة بالطبع أن الدولة مهما بلغت قوتها المؤسسية لا تستطيع أن تنهض وحدها، ولا أن تحل محل المجتمع في بناء الإنسان، فالدولة تضع الأطر، وتوفر البنية، وتسن القوانين، لكنها لا تستطيع أن تزرع الوعي قسرًا، ولا أن تفرض الثقافة فرضًا، ولا أن تُنتج مواطنًا مسؤولًا بقرارات إدارية فقط.
إن نهضة الدول لا تقوم إلا على وعي شعوبها، وعلى ثقافة عامة تؤمن بالعلم، وتُقدر العمل، وتربط بين الحق والواجب، وبين الحرية والمسؤولية، فغياب القيم وتراجع المبادئ، والعجز عن تربية الأبناء تربية أخلاقية وعقلية سليمة، يمثل تهديدًا وجوديًا لا يقل خطورة عن أي عدوان خارجي، وعليه فإن معركة مصر الحقيقية ليست فقط مع الفقر أو الإرهاب أو الضغوط الدولية، بل هي معركة وعي في المقام الأول، وعي بالذات، وبالتاريخ، وبالتحديات، وبحدود الممكن، وبأن الدولة ليست كيانًا منفصلًا عن الشعب، بل انعكاس له، فإذا صلح الوعي، صلح المسار، وإذا فسد الوعي، تعطلت كل الاستراتيجيات مهما بلغت دقتها، فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات، ولا يُحمى بالانفعالات، بل بالعلم، والإدراك، والجهد، وتحمل المسؤولية الاجتماعية، وبشعب يدرك أن بقاء الدولة وازدهارها ليس حقًا مُكتسبًا، بل مشروعًا جماعيًا يتطلب وعيًا دائمًا، ومشاركة حقيقية، واستعدادًا للعطاء قبل المطالبة بالأخذ.
المحطة الإخبارية جريدة إليكترونية شاملة