كتبت بوسي عواد
في زمن العولمة والانفتاح، لم يعد الحديث عن تعدد العلاقات العاطفية أمرًا غريبًا كما كان في السابق، بل أصبح واقعًا متكرّرًا تفرضه سرعة الحياة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتغيّر مفاهيم الالتزام العاطفي. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام نزوة عابرة تفرضها المغريات الحديثة، أم أمام أزمة قيم تضرب جذور الاستقرار العاطفي والأسري في مجتمعاتنا؟
بين البحث عن الكمال وفقدان الاكتفاء
يبرر الكثير من الأشخاص تعدد العلاقات العاطفية برغبتهم في “التجربة” أو “البحث عن الشخص المناسب”، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فغالبًا ما تنبع هذه السلوكيات من فقدان الإحساس بالاكتفاء، أو غياب الثقة بالنفس، أو حتى الخوف من الالتزام.
تبدأ القصة بمحادثة عابرة، ثم إعجاب بسيط، ليتحوّل مع الوقت إلى علاقة موازية، تتغذى على الشعور بالاهتمام الجديد، بينما تُضعف العلاقة الأصلية شيئًا فشيئًا.
ويرى بعض علماء النفس أن من ينخرط في أكثر من علاقة في الوقت نفسه يسعى في الغالب إلى ملء فراغ داخلي، وليس إلى بناء حب حقيقي. فالمشكلة ليست في الآخرين، بل في عجز الشخص عن التوازن النفسي والعاطفي.
وسائل التواصل.. عالم مفتوح يغري بالخيانات الصغيرة
منصات التواصل الاجتماعي فتحت الباب أمام ما يُعرف بـ “الخيانات الرقمية”.
رسالة بسيطة، أو إعجاب بصورة، أو تفاعل متكرر، قد يتحول إلى بداية علاقة خفية. وهنا تكمن الخطورة، لأن الحدود أصبحت ضبابية بين ما هو تواصل بريء، وما هو انزلاق عاطفي.
لم تعد الخيانة بحاجة إلى لقاءات سرية، بل تكفي شاشة هاتف صغيرة لتخلق عالمًا موازيًا من العلاقات الافتراضية التي تنتهي غالبًا بجراح نفسية عميقة.
أزمة القيم أم انعكاس للتحولات الاجتماعية؟
لا يمكن إنكار أن تغير القيم الاجتماعية وسرعة الإيقاع العصري ساهما في إضعاف مفهوم الالتزام العاطفي.
في الماضي، كانت العلاقة تُبنى على الصبر والمشاركة، بينما اليوم صارت أكثر هشاشة، يمكن أن تنهار بسبب خلاف بسيط أو إعجاب جديد.
وهنا يظهر السؤال الجوهري:
هل نحن أمام تحوّل طبيعي في مفاهيم الحب مع تطوّر الحياة، أم أمام انحدار في المنظومة الأخلاقية التي كانت تحكم العلاقات؟
الحقيقة أن الظاهرة تحمل الوجهين معًا؛ فهي نتيجة لتغيّر نمط الحياة وتراجع الدور الأسري، لكنها أيضًا إنذار خطير إلى أننا نفقد تدريجيًا القدرة على الالتزام والاحترام المتبادل.
العواقب النفسية.. حبّ متكرر وقلب مرهق
قد يظن البعض أن تعدد العلاقات يمنحهم شعورًا بالقوة أو الجاذبية، لكنه في الواقع يستنزف المشاعر ويفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الحب الحقيقي والاعتياد.
العلاقات المتعددة تترك خلفها أرواحًا مرهقة وقلوبًا مشتتة، تعاني من الخوف، والغيرة، والشك، حتى في التجارب الجديدة.
ومع الوقت، يتحوّل الأمر إلى إدمان عاطفي، حيث يبحث الشخص باستمرار عن اهتمام جديد ليُخفي فراغه الداخلي، دون أن يجد استقرارًا حقيقيًا.
كيف نواجه الظاهرة؟
الحل لا يكمن في المنع أو الرفض فقط، بل في إعادة بناء الوعي العاطفي.
علينا أن نُربّي أبناءنا وبناتنا على مفهوم “الالتزام” و”الصدق العاطفي”، وأن نعلّمهم أن العلاقات ليست وسيلة للهرب من الوحدة، بل مسؤولية تتطلب النضج والاحترام.
كما أن الأسرة والإعلام والمدرسة لهم دور حاسم في تصحيح الصورة المشوّهة التي تروّجها بعض الأعمال الفنية عن “تعدد العلاقات” كرمز للجاذبية أو الحرية، في حين أنها غالبًا طريق نحو الانكسار العاطفي.
تعدد العلاقات ليس دائمًا دليلاً على انعدام الأخلاق، لكنه بالتأكيد مرآة لاضطراب القيم والمشاعر في زمن السرعة.
وإذا لم نتوقف قليلًا لنسأل أنفسنا: “ماذا نريد من الحب؟”، سنظل ندور في حلقة من العلاقات المؤقتة التي تتركنا أكثر وحدة، وأقل قدرة على الحب الحقيقي.
المحطة الإخبارية جريدة إليكترونية شاملة