الإثنين , ديسمبر 1 2025

الميلودي المفقود في حضرة التاريخ

بقلم : د. محمد جمال الدين

في لحظة استثنائية من التاريخ الثقافي المصري، فُتحت منذ أيام قلائل أبواب المتحف المصري الكبير أمام العالم، لتقدم مصر أم الحضارة أحد أعظم منجزاتها في القرن الحادي والعشرين، حدث يليق بعظمة الزمان والمكان، وبهيبة التاريخ الممتد من ملوك الفراعنة إلى الإنسان المعاصر، وللحقيقة كان الاحتفال مشهدًا بصريا مهيبًا، اتسق فيه الضوء بالحجر، وتناغمت الرموز مع الصورة في خطاب بصري بالغ الجمال، غير أن السؤال الذي يطل من عمق الحدث هو:، هل كانت الموسيقى على مستوى هذا الافتتاح؟، وهل نطقت الروح المصرية بلغتها الخالدة؟

 

يعلم المتخصصين في علوم الموسيقى أن الميلودي هو الذاكرة السمعية للموسيقى، وهو ما يبقى بعد أن يصمت كل شيء، وهو ما يجعل من السيمفونية الخامسة لبيتهوفن على سبيل المثال خالدة في أذهان البشر، وفي العرض الموسيقي لافتتاح المتحف، لم نجد ميلوديًا واحدًا يُستعاد أو يُغنى داخليًا بعد انتهائه، فالمؤلف اكتفى بالبناء الأوركسترالي المهيب دون أن يمنح المستمع جملة موسيقية تسكن الوجدان، وعليه أصبح غياب الميلودي ليس مجرد نقص تقني، بل هو غياب للوجدان عن جسد العمل، إذ تتحول الموسيقى حينها إلى عمل بلا لحن وتتحول إلى هندسة صوتية خالية من الروح، إلى حساب رياضي لا يُنتج أثرًا عاطفيا كما سمعنا بالضبط، وكأن المؤلف كتبها بعين المهندس لا بأذن الفنان.

 

هناك خصوصية شديدة تتمتع بها آلة الكمان، بين كافة الآلات الموسيقية، وكما راينا لم يتم استغلالها بما يليق بتلك الآلة، إذ قُدم دويتو الكمان عرض استعراضي للتكنيك لا حوار وجداني فيه بين نغمتين، في تغافل تمام لحقيقة أن الموسيقى العظيمة لا يبرع العازف في عرض مهارته فحسب، بل يفتح للسامع بابًا إلى العاطفة والخيال، كما نسمع في أعمال عمر خيرت على سبيل الذكر، حين يتحدث الكمان عنده بلغة القلب، أما ما سمعناه فقد طغى فيه الاستعراض على التعبير، فبدت الكمان وكأنها تتحدث بلهجة غريبة عن موسيقى الافتتاح، تفتقر إلى الهمس المصري والأنين الشرقي الذي يميزها في الذاكرة السمعية لشعب يعرف النغمة كما يعرف تاريخه العظيم، وإذا ما وصلنا إلى آلة العود والتي تعتبر رمز للروح الشرقية الأولى، إلا أن استخدامه في العرض جاء هامشيًا، بلا رؤية ميلودية تعكس عبق تراثها، وكان يمكن أن تلعب دور بازر كجسرًا بين مصر القديمة ومصر الحديثة، وأن يفتح بها باب الذاكرة الموسيقية الشعبية التي تنبض في القوالب الغنائية الشرقية، لكن لم يتحقق ذلك للأسف.

 

ويعتبر الإيقاع نبض الموسيقى، وهو المرآة التي تعكس الروح الشعبية، غير أن الإيقاعات في عرض الافتتاح جاءت رتيبة متكررة، أقرب إلى المسير الميكانيكي منها إلى الرقص الداخلي، والسؤال هنا لماذا غابت الإيقاعات المصرية التي مثل تلك التي استخدمها سيد درويش لتأسيس الوجدان الجمعي؟، ولماذا لجأ المؤلف إلى التصفيق بالأيدي والأقدام كعنصر استعراضي بلا ضرورة فنية؟، دون الالتفات إلى أن الإيقاع المصري ليس مجرد خلفية صوتية، بل هو كيان حضاري، يبدأ من الطبول الفرعونية ويمر بالمزاهر الصوفية ليصل إلى الدُم والطبلة في شارع المعز، ولو تركنا كل هذا و ذهبنا إلى استدعاء صوت عالمي كصوت السوبرانو فاطمة سعيد، فلقد كان من المتوقع أن تُستثمر موهبتها في أداء أوبرالي يمجد الموروث المصري في صيغة عالمية، لكن جاء استخدامها في حوار طفولي أضعف القيمة التعبيرية للمشهد، وأفقد العمل أحد عناصره الذهبية، إذ أن الصوت الأوبرالي حين يُقحم في غير مجاله، يُصبح مثل آلة الكمان في أوركسترا دون لحن، جميل لكنه صامت، ومع تتبع المسارات اللحنية لموسيقى الافتتاح نجد غياب توظيف الحوار بين الآلات ذات الرمزية الحضارية مثل الهارب والقانون، والناي والربابة، تلك الآلات التي تمثل جسور الذاكرة الموسيقية المصرية من العصور القديمة إلى الحديثة، وكان يمكن أن تُقام سيمفونية قصيرة بين الهارب والناي، أو بين الربابة والقانون، لتصبح الموسيقى مرآة لتاريخ مصر الثقافي بدلًا من مجرد مشهد أوركسترالي بارد.

 

نعم لا جدال أن الموسيقى كانت ضخمة في التكوين الأوركسترالي، أنيقة في التوزيع، متقنة في التنفيذ، لكن الإتقان لا يعني الإبداع دائمًا، فلقد جاءت الموسيقى كأنها عالمية أكثر من اللازم، كأنها كُتبت لتنال إعجاب الأذن الغربية لا لتُخاطب روح المصري، وأنا أعتقد أن العالمية الحقيقية لا تتحقق بتقليد الغرب، بل بأن نصدر للغرب صوتنا نحن، فالموسيقى لا تُقاس بمدى تطابقها مع النموذج الأوروبي، بل بقدرتها على أن تكون ذاتًا مستقلة.

 

ليس هذا المقال رفضًا للفكرة أو للحفل، بل هو تحليل علمي موسيقي يستند إلى القواعد النظرية في التأليف والسمفونية والتوزيع الأوركسترالي، لا إلى الانطباع الذاتي وحده، فالنقد الموسيقي الرصين لا يهاجم، بل يقرأ، ولا يهدم، بل يفسر، والغاية هنا ليست التقليل من العمل، بل الدعوة إلى وعي موسيقي مصري حديث يدرك أن الموسيقى الوطنية ليست زينة للاحتفال، بل خطاب حضاري متكامل، يُعبر عن الذات كما يُدهش العالم.

 

إن افتتاح المتحف المصري الكبير سيبقى حدثًا خالدًا في الذاكرة الوطنية والعالمية، صفحة مضيئة من كتاب مصر الثقافي الحديث، لكن الموسيقى وهي اللغة الأسمى للتعبير عن الهوية، كان يمكن أن تكون أكثر صدقًا، أكثر مصرية، وأكثر خلودًا، فلقد قدم المتحف للعالم حجارة ناطقة بتاريخ مصر، لذا كان يجب أن تقدم الموسيقى صوت مصر وهي تعرف نفسها للعالم، فمصر لا تحتاج أن تقلد أحدًا لتُبهر، فصوتها وحده، حين يُصاغ بعلم ووجدان معًا، يكفي ليملأ التاريخ.

شاهد أيضاً

مؤتمر علمي يبحث تجليات الإسكندرية في الفن الروائي

كتب : محمد جمال الدين تحت رعاية الأستاذ الدكتور عبدالعزيز قنصوة رئيس جامعة الإسكندرية، ينطلق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *