الإثنين , ديسمبر 1 2025

سر حياتي .. استغاثة فن مُخنوق ودعوة للعدالة الثقافية

بقلم : د. محمد جمال الدين

في زمن تبدو فيه الثقافة غشاءً شفافًا يفصل بين الدولة والمجتمع، يتحول العمل المسرحي، لا بوصفه ترفًا بل كجسر معنوي وتربوي يحمل مسؤولية بناء أجيال واعية وممسكة بقدرها، إلى مرآة تقيس صحة مؤسساتنا الثقافية، وما حدث للعرض المسرحيّ «سر حياتي» وهو عرض تعليمي ترفيهي من تأليف الدكتورة مي موسى، طُور لتقديم منهج العلوم لمرحلة التعليم الأساسي في شكل درامي، وقد تم إنتاجه من قِبل فرقة السامر المسرحيّة التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، ليس حادثًا فرديًا عابرًا، بل مؤشر على خلل إداري ومفاهيمي يتطلب وقفة تأملية ومسؤولية مباشرة.

 

لقد جاء قبول العرض ليمثل تفعيلًا مهما لبروتوكول التعاون بين وزارة الثقافة ووزارة التربية والتعليم، وهو نموذج نادر يُفترض أن يُحتفى به ويدعم لا أن يُهمش، وما حدث كما سردته الدكتورة مي موسى، هو استغاثة من استبعاد العرض من جدول مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي بعد تحديد موعده ضمن فعاليات المهرجان، وبالذات بعد موافقة جهات الإدارة واختيار موعد 12-11-2025، توضح ازدواجية معايير وإهمالًا يمكن أن يقوض دور المؤسسة الثقافية بوصفها حاضنة للإبداع ورافدًا تربويًا.

 

ما لفت الانتباه في رواية الدكتورة مي موسى، وهي تارة تكتبُ بصوت متألم ومطالب الإنصاف، أن سبب الاستبعاد قدم على أنه «اعتذار» من ثلاثة أعضاء ممثلين في العرض، مع تجاهل لوجود أكثر من ستين عضوًا في الفرقة، وإمكانية استبدال العناصر بسهولة، بل وممارسة الفرقة في عروض سابقة على توظيف ممثلين من خارج صفوفها، ومن ثم يصبح «الاعتذار» الحجة السهلة التي تُستعمل كغطاء لقرار إداري بلا مبرر واضح يتناسب مع مصلحة الدولة أو الهيئة أو الجمهور.

 

الدكتورة مي قالت كلمات صادقة ومثبتة بالأدلة، وهي تستغيث من الظلم الواقع على العرض وما لحقه من تعنت بأسماء محددة، وهي في حقيقة الأمر كلمات لا تُشعرنا إلا بأن هناك خللًا في آليات المحاسبة والدعم داخل المؤسسة.

 

إن ما يحدث ليس مجرد نزاع إداري، إنه لحظة كشف أخلاقية عن سؤال أعمق: ما معنى «المؤسسة الثقافية» إن لم تكن تؤمن بمهمتها العامة في تمكين الإبداع، وحماية حق القامات الفنية في العرض والمشاركة؟، فالمؤسساتُ تُقاس بقدرتها على أن تتحمل الشفافية، وأن تُوظف القواعد لصالح الرسالة العامة، لا أن تستعملها كسياج لاحتباس الإبداع أو تعطيل دوره، وعندما تفشل الآليات في مأسسة دعم العمل الثقافي، تتحول تلك المؤسسات من راع إلى مانع، وهنا يكون السؤال عن العدالة أكثر من كونه إداريًا: من يجيب عن إهدار الموارد، ومن يُحاسب عن المنع التعسفي للإبداع؟

 

نحن ندعو هنا إلى فصل الحقائق عن العواطف، فإذا كان العرض قد حقق نجاحًا في موسمه الأول (15 ليلة كاملة) وعاد للإنتاج مع شرط تسويقي لإيراد مادي، وحدث بالفعل أن بيعت ليلة بإيراد عشرة آلاف جنيه، فإن توقف بقية الليالي دون أسبابٍ معلنة ليس فقط قرارًا فنيًا بقدر ما هو إهمال اقتصادي وإهدار لمورد عام، وهذا الأمر يضع مسؤولية قانونية وإدارية على عاتق من يتولى مسؤولية الإدارة المركزية للشئون الفنية، ويستدعي تحقيقًا شفافًا ومساءلة علنية.

 

ولأن الصيغة الأدبية وحدها لا تكفي أمام مؤسسات رسمية، أوجه كلمتي التالية إلى السيد الدكتور/ أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، الذي يشكل منصبه لبنة أساسية في ضمان حضور الثقافة المصرية المسؤولة عن الاحتضان والدعم، ضرورة حماية حق الفنانين في العرض، وتفعيل بروتوكولات تعاون تربوية مفيدة للمجتمع، ومحاسبة أي تقصير في إدارة الموارد، فالمسؤوليات ليست رفاهية بل واجب وطني، وعلى وزارة الثقافة والهيئات التابعة لها أن تتعامل مع هذه الحوادث بشفافية كاملة، وأن تطلب تقريرًا رسميًا عن أسباب استبعاد العرض وعن الإجراءات التي أدت لتوقف الليالي المتبقية، وأن تُتخذ قرارات إدارية وقانونية عند ثبوت التقصير.

 

وختامًا أقول لكل من يقف مع فنون الطفل ويعطيها معرفة ووعيًا، لا ينبغي أن نسمح بأن تُستبدل مهمة الثقافة بالتعصب الإداري، ولا أن يُمحى صوت الإبداع بحجج شكلية، وعلى المؤسسات أن تعيد اكتشاف جوهرها، وأن تكون منارة للمعرفة، وسلطانًا للعدالة في إدارة المشروعات الثقافية، لذا فأنا أطالب معالي وزير الثقافة وكل الجهات المعنية، بفتح تحقيق حول هذه الواقعة، وإتاحة الطريق لعرض يستكمل ما بدأ من خدمة تربوية ومجتمعية.

شاهد أيضاً

مؤتمر علمي يبحث تجليات الإسكندرية في الفن الروائي

كتب : محمد جمال الدين تحت رعاية الأستاذ الدكتور عبدالعزيز قنصوة رئيس جامعة الإسكندرية، ينطلق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *