الإثنين , ديسمبر 1 2025

“من الخشبة إلى الوعي: المسرح المدرسي كمنهج لتأسيس المواطن الحر

كتب محمد جمال الدين

لم يكن الطفل في يوم من الأيام الطفل بيضاء كما يتوهم البعض، بل هو نواة فكرية كامنة تنتظر الفعل التربوي لتتفتح في فضاء الوعي، فالتربية ليست عملية تلقين، بل هي فعل وجودي غايته أن يوقظ في الإنسان قدرته على أن يكون، ومن هذا المنطلق، جاءت ورقة الباحث الدكتور محمد جمال الدين لتعيد تعريف التربية المسرحية لا بوصفها وسيلة ترفيهية أو نشاطًا هامشيًا، بل باعتبارها فعلاً تربويًا فلسفيًا يتجاوز حدود الفن ليغدو أداة لبناء الوعي الوطني في وجدان الطفل المصري.

 

إنها دراسة تدعو لتأسيس عقل جديد يرى الوطن لا بوصفه رقعة جغرافية، بل فكرة أخلاقية وجمالية تُزرع في الطفولة لتزهر في مستقبل الأمة، وعليه يرى الباحث أن التربية هي عملية تشكيل متكاملة للإنسان، فهي ليست نقلًا للمعرفة فحسب، بل بناء للذات في ضوء قيم الحق والجمال والحرية، ويرى تعدد أبعاد التربية بين، البعد المعرفي الذي ينمي الفكر ويحرك قدرات التحليل والفهم، والبعد الوجداني الذي يصوغ الحس القيمي والجمالي في شخصية الطفل، والبعد الاجتماعي والوطني الذي يغرس الانتماء والمسؤولية تجاه الوطن.

 

وهنا كما يرى الباحث تتجلى فلسفة التربية المسرحية بوصفها فعلاً يدمج هذه الأبعاد جميعًا في صيغة جمالية تجمع بين العقل والعاطفة، الفكر والخيال، الفرد والجماعة، كما يُميز الباحث بين الفكر كملكة والتفكير عملية، فالفكر كما ذكر هو القدرة الكامنة على إدراك العلاقات بين الأشياء، أما التفكير فهو الممارسة الفعلية لهذه القدرة في ضوء منهج عقلي منظم، وقد صنف أساليب التفكير التي يمكن للمسرح أن يُنميها لدى الطفل إلى ثلاثة أنماط مركزية، أولها التفكير النقدي، وهو القدرة على تحليل الأفكار وتقييمها بعيدًا عن التسليم والأفعال، وعناصره الملاحظة الدقيقة – الاستنتاج – المقارنة – التفسير – التقييم المنطقي، ومهاراته: التمييز بين الرأي والحقيقة، الكشف عن المغالطات، بناء الحكم الرشيد.

 

وثانيهما التفكير الإبداعي وهو القدرة على إنتاج أفكار جديدة وأصيلة انطلاقًا من الخيال المنظم، وعناصره: الطلاقة – المرونة – الأصالة – الحس الجمالي – الخيال البناء، ومهاراته هي القدرة على إعادة تشكيل المألوف، وإيجاد حلول غير تقليدية للمشكلات، إضافة إلى التفكير الفلسفي وهو أرقى أنماط التفكير، لأنه يسعى إلى فهم المعنى والغاية وراء الظواهر، وعناصره التساؤل – التحليل المفهومي – الاستدلال المنطقي – النقد القيم، ومهاراته هي طرح الأسئلة الجوهرية، ربط الجزئي بالكلي، البحث عن الحقيقة لا عن المنفعة.

 

يؤكد الباحث الدكتور محمد جمال الدين أن المسرح المدرسي ليس نشاطًا فنيًا فقط، بل هو مختبر تربوي للوعي، فعبر تقمص الأدوار وممارسة الأداء الجماعي، يتعلم الطفل كيف يفكر من موقع الآخر فيدرك معنى الاختلاف والتنوع، ويناقش ويحاور فيكتسب مهارات التفكير النقدي، ويبدع في الأداء والتعبير فينمّي خياله الإبداعي، كما يفهم القيم الوطنية من خلال التمثيل الرمزي لتاريخ الوطن ورموزه ونضالاته، وبهذا يصبح المسرح وسيلة لإعادة إنتاج الفكر في سياق وطني وإنساني، حيث يتعلم الطفل أن الانتماء ليس انغلاقًا بل مشاركة واعية في بناء المجتمع.

 

والوعي كما يطرحه الدكتور جمال الدين ليس معرفة مجردة، بل قدرة على الفعل المسئول، إنه وعي بالذات والآخر والوطن معًا، ويُبنى عبر ثلاث مراحل مترابطة، وهي، الوعي بالذات أي إدراك الطفل لقيمته ودوره وقدرته على التغيير، والوعي بالآخر بمعني احترام التنوع والتعايش في الفعل الجماعي، والوعي بالوطن حيث فهم التاريخ والهوية والمصير المشترك، والمسرح بقدرته على تجسيد المعاني وتحويلها إلى تجربة معيشة، يُعيد صياغة هذا الوعي في صورة وجدانية خالدة تجعل من الوطنية حالة شعورية وسلوكية في آنٍ واحد.

 

يرى الباحث أن الفكر هو الشرارة الأولى في حركة التاريخ، والوعي هو الوقود الذي يحافظ على استمرارية النور، فلا نهضة بلا وعي، ولا وعي بلا فكر، والمجتمع الذي يُهمل بناء الفكر في طفولته، يُسلم مستقبله للظلام، أما المجتمع الذي يجعل من التربية المسرحية منهجًا للوعي، فإنه يؤسس لمدنية جديدة تُوازن بين العقل والعاطفة، بين الحرية والانتماء.

 

إن ما قدمه الدكتور محمد جمال الدين في ورقته البحثية ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو مشروع وعي وطني تربوي يرى في المسرح طاقة لإعادة بناء الإنسان من الداخل، فمن على خشبة المسرح يتعلم الطفل أن يسأل، ويفكر، ويختار، ويحلم، ويحب وطنه بعقل مستنير لا بشعور منغلق، وهكذا يغدو المسرح مدرسة للحرية والوعي والجمال، ويصبح الطفل وهو يتقمص الأدوار ممثلًا في مسرح الوجود الإنساني الكبير، حيث تبدأ كل نهضة من لحظة وعي، وكل وعي من فعل تربوي يعيد للطفولة بهاءها وللوطن وعيه المفقود.

شاهد أيضاً

مؤتمر علمي يبحث تجليات الإسكندرية في الفن الروائي

كتب : محمد جمال الدين تحت رعاية الأستاذ الدكتور عبدالعزيز قنصوة رئيس جامعة الإسكندرية، ينطلق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *