الإثنين , ديسمبر 1 2025

شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي يكتب تاريخ المسرح المصري من جديد

 بقلم : د. محمد جمال الدين

ليس التوثيق فعلاً أرشيفياً صامتاً، ولا هو رفاهيه ثقافية يليق بالاحتفاليات العابرة، بل هو في جوهره فعل وجودي يسعى لإنقاذ الفن من هشاشة الزمن، ولإعادة ترتيب الذاكرة الجمعية حتى لا تتساقط أطرافها في صخب اللحظة وشرود السياق، فالفن الذي لا يُدون يتبخر، والتجارب التي لا تُحفظ، تُمحى من التاريخ كأنها لم تكن، ومن هذا المنظور الفلسفي العميق، تبدو خطوة الدورة العاشرة لمهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، بقيادة مؤسسها ورئيسها المخرج مازن الغرباوي، بإصدار عدة إصدارات ترصد فيها الحركة المسرحية المصرية خلال ربع قرن، في الإخراج المسرحي وكذلك التأليف والنقد المسرحي، بل والبحث العلمي، كأشبه بصرخة وعي، صرخة تُعيد الكتابة للمسرح، والاسم للمبدع، والذاكرة للمؤسسة، في زمن تتسارع فيه العروض وتضيع فيه الملامح.

 

هذه الإصدارات ليست مجرد كتب، بل هي إعلان إرادة، ورغبة في تثبيت أثر جيل كامل في السجل المسرحي المصري خلال ربع قرن، إنها محاولة لاستعادة البصمة قبل أن تذوب، ولجمع الشظايا قبل أن تتناثر في الريح، فلا ريب من ضرورة توثيق الرؤى الإخراجية المتميزة الدالة على الحركة المصرية، إذ أن المخرج المسرحي هو المُلهم الأول لصياغة العرض، والعين التي تمنح النص جسده المادي وروحه البصرية، وتوثيق المخرجين الشباب خلال آخر خمس وعشرين سنة ليس فقط رصداً للأساليب والإتجاهات، بل هو أيضًا توثيق لتحول الذائقة الجمالية، وخرائط التجريب، وملامح الخطاب البصري للمسرح المصري.

 

وعليه فإن التوثيق هنا يكشف تحولات اللغة الإخراجية من العرض التقليدي إلى المسرح الحيوي، ومن مركزية المتلقي إلى انفتاح الفضاء، ويلقى الضوء على التجارب الريادية التي صعدت بالمسرح المصري في السنوات الماضية، مع الكشف عن التأثيرات العالمية والمحلية التي أعادت تشكيل مفهوم العرض المسرحي لدى جيل جديد، وبهذا يصبح توثيق المخرجين مرآة لقراءة تطور المسرح ذاته، لأنه لا مسرح بلا رؤية، ولا رؤية بلا مخرج.

 

وإذا كان المخرج هو العين، فالمؤلف هو الوعي العميق للأزمنة، والمرصد الذي يلتقط أسئلة الإنسان والمجتمع، وفي المسرح لا تُولد التجارب الكبرى إلا من نص حي، يلتفت للمتغيرات ويصيغها درامياً، ومن هذا المنطلق فإن توثيق المؤلفين يحفظ خريطة تطور الخطاب الدرامي خلال ربع قرن من التحولات السياسية والاجتماعية، ويكشف أساليب الكتابة الجديدة بين الدراماتورجيا، المسرح الوثائقي، الكتابة التجريبية، ومسرح المونولوج والفضاءات المتعددة، كما يبرز قضايا الجيل، كالهوية، العزلة، الحرية، الذات، الواقع الاجتماعي، تراجع الأدوار الثقافية، لذا فإن توثيق المؤلفين الشباب هو توثيق لملامح الوعي الجمعي الذي صاغته أقلامهم في مرحلة تعد من أكثر المراحل حساسية وتبدلًا في تاريخ مصر المعاصر.

 

والنقد ليس تابعًا للمسرح، بل هو ضميره، ووثائق المسرح لا تكتمل دون صوت الناقد الذي يقرأ، ويحلل، ويفكك، ويؤسس لمعاني أعمق مما تراه العين، لذا فإن توثيق النقاد الشباب يكشف تطور الخطاب النقدي من المقال الوصفي إلى النقد التحليلي البنائي، وتأثير المناهج المعاصرة كالتحليل السيميائي، الأنثروبولوجيا المسرحية، النقد الثقافي، وقراءات ما بعد الحداثة، وكذلك يسلط الضوء على دور الناقد في تثبيت القيمة وإعادة تقييم التجارب ومنحها مكانها في الذاكرة المهنية، كما يحفظ هذا التوثيق للأجيال القادمة المسارات الفكرية التي صاحبت المشهد المسرحي، فيتحول النقد إلى خريطة معرفية تحدد اتجاهات التطور.

 

لا شك أن البحث العلمي المسرحي هو العمود الفقري الذي يربط النظرية بالممارسة، والباحثون الشباب خاصة في العقدين الأخيرين، لعبوا دورًا مركزيًا في إعادة قراءة التراث المسرحي، وفي استلهام المناهج الحديثة وتطبيقها على العرض والنص والتقنيات، وعليه فإن توثيق الباحثين الشباب يتيح لنا، متابعة تطور المعرفة المسرحية في مصر خلال 25 عامًا، والوقوف على الجهود الأكاديمية التي دعمت المسرح المصري ورفعت من سمعة البحث العلمي، وحفظ التحولات المنهجية التي أسهمت في تجديد التفكير المسرحي، إذ أن هؤلاء الباحثون هم الجسر بين الماضي والمستقبل، وبين الخشبة والجامعة، وبين التجربة والرؤية، والتوثيق لهم يعني تثبيت الركيزة العلمية للحركة المسرحية.

 

إن خطوة تلك الإصدارات في مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي في دورته العاشرة ليست مجرد إضافة إلى منشورات المهرجانات، بل هي فعل تأسيسي يرقى إلى مستوى كتابة التاريخ من جديد، فالتوثيق هنا ليس حراسة للذاكرة فحسب، بل هو إعادة بناء للوعي المسرحي، وتأصيل لجذور الهوية الفنية، وترسيخ لقيمة الإنسان المبدع بوصفه ابن لحظته وشاهد عصره، وبهذا الجهد الجبار، يخط المخرج مازن الغرباوي، ومعه فريق المهرجان، خطاً جديداً في سجل المسرح العربي، خطاً يؤمن أن الذاكرة ليست رفاهية، وأن الفن لا يعيش إلا حين يُكتب، ولا يكتمل إلا حين يُقرأ، فهذه الإصدارات هي صون للوجود المسرحي، وضمان ألا يضيع جهد ربع قرن من الإبداع في زحام اللحظات المتعاقبة.

شاهد أيضاً

مصر تحصد مقعدًا جديدًا باليونسكو.. إنجاز دولي يكرّس الريادة الثقافية والعلمية

كتبت بوسي عواد في إنجاز جديد يُضاف إلى سجل النجاحات المصرية على الساحة الدولية، فازت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *