بقلم : د. محمد جمال الدين
لم ولن يكن القرآن كتابًا يُتلى فحسب، بل هو في جوهره خطاب لتشكيل الوعي الإنساني، وصياغة الوجود الأخلاقي الحضاري، فمنذ اللحظة التي قال فيها الحق سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، انفتح باب الارتقاء الإنساني عبر فعل القراءة، قراءة تُنير العقل، وتوقظ القلب، وتحيي الروح، ولو كان المقصود ترديد الحروف لقال: “ردد”، لكنه قال: اقرأ … لأن القراءة فعل وعي، وفعل الوعي هو الذي يصنع الإنسان.
وفي زمن يتصاعد فيه الضجيج الرقمي وتتراجع فيه سلطة المعنى، تبدو حاجة الأمة إلى صوت القرآن أشد من أي عصر مضى، وهنا يتولد الدور الحضاري لبرنامج “دولة التلاوة” الذي لا يقدم ترفًا إعلاميًا، بل مشروعًا لإعادة بناء الإنسان من خلال استعادة سلطة الوحي في ضميره وسلوكه، وقد قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، فالترتيل ليس تحسين الصوت فحسب، بل بناء عقل يتدبر، ونفس تتزكى، ووعي يُعاد تشكيله على نور الوحي.
إن برنامج “دولة التلاوة” يُعيد إحياء المدرسة المصرية العريقة في القراءات، تلك المدرسة التي حمل لواءها جيل من العمالقة، الذين صاروا أصواتًا شكلت الوجدان الإسلامي كله، لكنه لا يكتفي بحفظ التراث، بل يؤسس لنهضة قرآنية تمتد جذورها إلى الدولة والمجتمع معًا، فأهميته للدولة تتمحور في عدة محاور لعل من أهمها تعزيز الهوية الدينية والوطنية، إذ يربط الأجيال بجذورهم الروحية، ويُعيد لهم ثقتهم في مرجعيتهم الحضارية، مع إحياء القوة الناعمة المصرية، فمصر كانت وما تزال منارة القرآن وعلومه، وبرنامج دولة التلاوة يعيد هذا الدور الذي ميزها عبر قرون، علاوة على إنتاج نماذج مشرفة للشباب،
في مقابل ما تصنعه وسائل التواصل من شهرة بلا قيمة، إذ يظهر هنا نموذج القارئ المتخلق، العالم، المتمكن، بالإضافة إلى الدور التربوي العميق، فالقرآن كما قال تعالى ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، ومن ثم فكل برنامج يعيد الناس إلى “الأقوم” يشارك في بناء المجتمع والدولة معًا، علاوة صناعة الوعي الأخلاقي، وتحصين النشء من الانحراف الفكري والسلوك، إعادة الاعتبار للمسجد وحلقات التحفيظ، وتربية الذائقة الروحية والجمالية للناس، ولذا قال النبي ﷺ:
«خيرُكم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه»، ليجعل معيار “الخيرية” معنى جامعًا بين المعرفة والتربية والتهذيب.
ولا يمكن الحديث عن التلاوة، ولا عن صناعة الوعي الديني، دون استحضار الأزهر الشريف، فهو الوعاء التاريخي الذي حفظ للقرآن لسانه، وللأمة هويتها، فالأزهر لعب دور عظيم في المنظومة القرآنية، من حيث ضبط العلم، فلا تلاوة دون علم، ولا صوت دون فهم، والأزهر هو بوابة العلم الشرعي الراسخة، مع تقديم القدوة العلمية الأخلاقية، فالعالم الأزهري لم يكن يومًا مجرد مُدرس، بل صاحب رسالة صلاحية، إضافة إلى مقاومة التطرف، بإحياء القراءة الصحيح للدين، إذ قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، والأزهر هو “أهل الذكر” الذين يُزيلون التشوه عن الدين، مع التحقيق العلمي لعلوم القرآن، مما يجعل “دولة التلاوة” امتدادًا طبيعيًا لرسالة الأزهر، لا مشروعًا منفصلًا عنه.
إن برنامج “دولة التلاوة” في فلسفته لا يبحث عن صوت جميل فحسب، بل عن إنسان يحمل القرآن خلقًا وسلوكًا، وهذه هي فلسفة الإسلام حين قال النبي ﷺ: «إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسِنُكم أخلاقًا»، والنماذج التي يقدمها البرنامج تمثل، صوتًا يذكر بأصالة المدرسة المصرية، وخلقًا يذكر بروح النبي ﷺ، وعلمًا يذكر بعمق الأزهر، ووعيًا يذكر بأن التلاوة ليست غاية بل طريق.
والتربية في الإسلام ليست وظيفة ثانوية، بل هي جوهر المسؤولية الإنسانية، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، أي لا يكفي أن تنجو بنفسك، بل يجب أن تبني وعي من تحت يدك، وهذه هي فلسفة التربية القرآنية، ودور الأب والأم هنا هو غرس محبة القرآن منذ الطفولة، من خلال تربية قائمة على القدوة لا الأوامر، وخلق بيئة أخلاقية صادقة، مع المتابعة والتقويم لا الإهمال والاستسهال، والتخلق بصفات الرحمة والحكمة، فقد قال ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، ليجعل الإنجاب نفسه مسؤولية كبرى، لا عادة اجتماعية، والفلسفة هنا تعني أن من لا يعرف معنى التربية، فالأولى ألا ينجب، وهذه الفلسفة الإسلامية لا تعني ترك الزواج أو تعطيل سنن الحياة، بل إن المقصود، أن الإنجاب بلا وعي جريمة أخلاقية، وأن الطفل روح أُودعت عند أبويه، فإن قصرا حملا وزرًا، وأن المجتمع لا يحتمل مزيدًا من نتاج الإهمال التفريط، وأن “الأب” ليس من أنجب، بل من ربى، وأن “الأم” ليست من ولدت، بل من منحت الروح رشدها ومعناها، فالذي لا يدري معنى الأبوة والأمومة، ولا يفهم أنه يطلق إلى الوجود روحًا ستقف معه بين يدي الله، فالأَولى له ألا يدخل هذا الباب أصلًا حتى يتأهل له.
إن “دولة التلاوة” ليس برنامجًا تلفزيونيًا، بل مشروعًا لإحياء الوعي، واستعادة السيادة الروحية، وإعادة تشكيل الإنسان من خلال نور القرآن، فالأمم كما يقول القرآن لا تنهض إلا عبر بناء الإنسان ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، والإنسان لا يتشكل بالبنى التحتية، بل بالبنى الأخلاقية، ولا ينهض المجتمع بالشعارات، بل بالقوات، ولا يستقيم الجيل إلا إذا استقام البيت، ولا يستقيم البيت إلا إذا أدرك الأب والأم أن التربية عهد أمام الله قبل أن تكون علاقة بيولوجية، وهكذا تتكامل الدائرة، الأزهر يضع العلم، والبيت يضع الأساس، والمسجد يضع الروح، ودولة التلاوة تصنع النموذج، والمجتمع يحصد النهضة، هذه هي قصة أمة تعود إلى القرآن، ليعود القرآن فيعيدها إلى نفسها.
المحطة الإخبارية جريدة إليكترونية شاملة