الأحد , نوفمبر 30 2025

حين تُختلق علوم موسيقية لا أصل لها .. ماذا يتبقى لأمة إذا فسد علمها؟

بقلم: د. محمد جمال الدين

ليس أخطر على أمة من أن يختل ميزان علمها، ولا أفتك بحضارة من أن تشوه بنيتها المعرفية بأوهام تُنزل منزلة اليقين، فالأمم لا تسقط دفعة واحدة، بل يبدأ سقوطها من لحظة تزييف العلم، أو استسهال العبث بمنهجه، أو منح الباطل لباس الحقيقة، وحين يحدث ذلك في مجال رقيق وشديد الحساسية مثل الموسيقى، هذا الفن الذي يمثل خلاصة الوعي، ومخزون الذاكرة، ولسان الروح، فإن الخطر يصبح مضاعفًا، لأن الموسيقى كانت دومًا مرآة تطور الحضارات وميزان رقيها.

 

وفي مصر اليوم نواجه مأزقًا موسيقيًا وعلميًا لم يعد خافيًا، مأزقًا يتمثل في اختلاق علوم موسيقية لا وجود لها في العالم، ثم يتم تدريسها للطلاب في المعاهد والكليات بوصفها من العلوم الموسيقية، بينما هي في حقيقتها مراحل تاريخية تجاوزتها البشرية أو مفاهيم دخيلة لا تمت للعلم بصلة، ولعل من أبرز هذه العلوم المختلفة، العروض الموسيقى، والإيقاع الحركي.

 

دعونا نعود إلى أصل الأشياء، لنرى كيف اختلقت هذه المصطلحات، وكيف زُج بها في مناهجنا، وكيف وصلت الموسيقى المصرية إلى هذا المنعطف الحاد، ولتكن البداية مع ما يسمى العروض الموسيقى، إذ كان التدوين الموسيقي ولا يزال إحدى أعقد مشكلات تاريخ الموسيقى، فقد عانت الحضارات القديمة مرارة ضياع الألحان وتبدلها مع الزمن، لعدم وجود وسائل تحفظ النغمات وتوثقها، وحين حاول الإغريق تدوين الموسيقى، لجأوا إلى التدوين الهجائية، أي منح كل نغمة حرفًا من اللغة الإغريقية، لكن هذه الطريقة فشلت في تحديد الزمن الموسيقي بدقة، فأدى ذلك إلى عجز في استعادة الألحان.

 

ثم جاءت الحضارة العربية في العصور الوسطى، وكان عليها أن تبحث عن بدائل، فاستعانت بـ عروض الشعر لا بوصفه علماً موسيقياً، بل كأداة مؤقتة لتحديد أطوال الأزمنة النغمة، ومن هنا ظهرت مسميات الإيقاعات الأولى باسم بحور الشعر، الرمل، الرجز، المتدارك…، كما فعل الإغريق قبلهم حين سموا إيقاعاتهم بأسماء بحور شعرهم إيامب، أنابست، تروخي، داكتيل…، وقد كانت تلك مجرد خطوة انتقالية ناقصة في رحلة طويلة انتهت إلى ما نعرفه اليوم باسم الصولفيج، وهو علم التدوين الأكمل القائم على المدرج الموسيقي ذي الخطوط الخمس، وهو ما تدرسه جميع معاهد وجامعات العالم، لكن في مصر، لا نكتفي بالعلوم الحديثة، بل نبعث أطلال الماضي، ونقتطع مرحلة أولية ناقصة من تاريخ التدوين، ثم نقدمها للطلاب على أنها علم مستقل!، وفي الحقيقة لا يدري الإنسان منا أي علم هذا الذي يعود إلى الوراء؟، وأي منهج يسمح بأن نضع الماضي في مواجهة الحاضر، ثم نطالب الطالب بفهمهما معًا؟، وكيف نقول للطالب، اكتب النغمات ناقصة الزمن في “العروض الموسيقي”، واكتبها مكتملة ودقيقة في “الصولفيج”، هكذا نصنع في عقل الطالب ازدواجية معرفية وتشوشًا علميًا، ونخلط تاريخ العلم بالعلم نفسه.

 

ولو كان في هذا الصنيع صواب، فلماذا لا تدرس معاهد اليونان تدوينها الهجائي القديم؟، ولماذا لا تعيد إيطاليا تدريس التدوين الروماني الكورالي؟، ولماذا لا تعود أوروبا إلى بداية رحلتها؟، والإجابة واضحة ولا تحتمل التأويل فالعلوم لا تعود إلى الوراء، ولأن القديم ناقص بطبيعته، ولأن كل علم يتطور ليصحح نواقصه لا ليعود إليها، ومع ذلك تصر بعض المعاهد المصرية على تدريس ما يسمى العروض الموسيقى، وهو إختلاق لعلم لم يعد علمًا إلا عندنا، فماذا يتبقى لأمة إذا فسد علمها؟

 

ثم نأتي إلى ما يسمى الإيقاع الحركي، حين نخلط الموسيقى بالرقص، فنحن نختلق علم آخر تحت مسمى الإيقاع الحركي، ومبرروه يقولون إن الطالب لا يفهم الإيقاعات إلا إذا رقصها بجسده، فنري الأستاذ يوقع الإيقاع، وعلى الطالب أن يحرك جسده وفق النقرات والإيقاعات، ثم يعيد الأستاذ تصحيح حركة الجسد حتى تتطابق مع الإيقاع، والسؤال هنا أي هزل هذا؟، منذ متى كان تحريك الجسد جزءًا من دراسة الإيقاع الموسيقى، فتحريك الجسد مع الإيقاع، في العالم كله، هو فن الرقص وليس علماً من علوم الموسيقى، ودارِس الموسيقى وظيفته، خلق الإيقاع لا تمثله جسديًا، وفوق ذلك، أطلقوا عليه اسمًا آخر لا وجود له عالميا، وهو صولفيج حركي، إذ لم يسمع العالم كله بشيء اسمه صولفيج ساكن وصولفيج متحرك!، فالصولفيج هو حركة الأنغام، لا حركة الجسد، أما الأسوأ فهو أن فكرة الإيقاع الحركي مأخوذة من تجارب أوروبية لتدريب الأطفال على إحساس الإيقاع—not الموسيقيين!، ومع ذلك استوردنا التجربة دون فهم سياقها، مثلما نستورد سلعة أجنبية لا نعرف جدواها، ثم نتساءل إذا كان طالب الموسيقى مطالبًا بأن يرقص كي يفهم الإيقاع، فماذا تركنا لطلاب معهد الباليه؟، وكيف نخلط التخصصات الفنية إلى هذا الحد؟، أليس هذا عبثًا بالعلم والمنهج؟

 

إن الأزمة التي تواجهها الموسيقى المصرية اليوم ليست أزمة ألحان أو أصوات أو مدارس أداء، بل أزمة فكر علمي ومناهج وتصور صحيح لطبيعة العلم، فالأمم لا تهزمها الجيوش بقدر ما يهزمها الجهل الممنهج، ولا ينهار فن من الفنون إلا إذا انهار علمه أولًا، فلقد بنت الحضارة الموسيقية العالمية رحلتها على تراكم المعرفة وتجاوز المراحل الناقصة، بينما نعود نحن لنجعل التاريخ بديلاً عن العلم، ونصنع من المراحل الانتقالية علومًا، ثم نفرضها على الطلاب باسم الحداثة وهي في حقيقتها نكوص علمي خطير، فالعلوم لا تُختلق، ولا تُؤخذ من الماضي الميت، ولا تُستورد دون وعي، ولا تُفرض إلا إذا استوفت شروط العلم، من الدقة، والمنهج، والاعتراف الدولي، وحين تُشوه هذه القيم، وتُملأ مناهجنا بما ليس علماً،

وتُزين أوهام بطلاء المعرفة، عندها يحق لنا أن نطرح السؤال المرعب، ماذا يتبقى لأمة … إن فسد علمها؟.

شاهد أيضاً

إهداء20 مؤلفاً من مؤلفات الشرفاء الحمادي إلى مكتبة جامعة الدول العربية

كتبت هدى العيسوى أعلن محمد فتحي الشريف، رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات، ختام مشاركة المركز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *