الإثنين , ديسمبر 1 2025

مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي .. حين يتوهج الوعي الإبداعي في فضاء الجمال

 .بقلم : د. محمد جمال الدين

في زمن تتنازع فيه الأمم على بسط نفوذها عبر القوة والاقتصاد، يطل مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي بدورته العاشرة كفعل حضاريّ مضاد، يُعلن أن القوة الحقيقية للأمم ليست في جيوشها، بل في وعيها الجمالي وثقافتها المسرحية، فمنذ أن بزغت فكرته في ذهن المخرج والمبدع مازن الغرباوي، لم يكن الحلم محض تظاهرة فنية عابرة، بل مشروعًا فلسفيا متكاملًا لإعادة المسرح إلى دوره الأصلي، كمنبرًا للوعي، ومنارة للشباب، وجسرًا يربط بين الثقافات.

 

لم يكن المسرح في يوم من الأيام مجرد فن للعرض، بل هو فعل وجودي يستنطق الأسئلة الكبرى عن الإنسان والحرية والمصير، لذا فإن مهرجان شرم الشيخ في جوهره ليس احتفالًا شكليا، بل احتفاء بفكرة أن الإبداع هو أعظم أشكال المقاومة ضد القبح والفراغ واللامعنى، وفي كل دورة من دوراته، تتسع رقعة الضوء، ويزداد الحضور الفكري والإنساني عمقًا، حتى صار المهرجان علامة مضيئة في خريطة المسرح العربي والعالمي، ومختبرًا حيا تتقاطع فيه التجارب، وتتصادم فيه الرؤى، فيُولد من هذا التفاعل وعي جديد بفلسفة الجمال والمعنى.

 

الدورة العاشرة التي سوف تنطلق خلال أيام، لا تمثل مجرد رقم في سجل الدورات، بل تمثل اكتمال الدائرة وتحقق الرؤية، إنها دورة النضوج، حيث يقف المهرجان بعد عشر سنوات من التحدي والمثابرة كصرح إبداعي مصري عربي يليق بتاريخ مصر وموقعها الثقافي الرائد، إذ أصبح المهرجان قبلة للمبدعين الشباب من الشرق والغرب، وملتقى تتلاقح فيه الثقافات، فيتحاور المسرح الإسباني مع المغربي، والمصري مع الأوروبي، في لحظة إنسانية تتجاوز الحدود واللغات، لتؤكد أن الإنسان في جوهره ممثل يبحث عن دوره في مسرح الوجود.

 

وليس غريبًا أن يقف وراء هذا التوهج المخرج مازن الغرباوي، الذي آمن بالمسرح لا بوصفه مهنة أو تظاهرة، بل رسالة ووعيًا وفعلًا تنويريا، فلقد آمن الغرباوي بالشباب كما آمن المسرح يومًا بالإنسان، فصنع من المهرجان مساحة للحرية والتجريب، ومنبرًا للكلمة، ومختبرًا للمعنى، إذ إنه لم يكتف بإدارة ورئاسة المهرجان، بل أسس مدرسة فكرية في كيفية تحويل الحلم الفردي إلى مشروع ثقافي جماعي، فصار المهرجان مرآة لرؤيته الجمالية التي ترى أن الفن لا يُدار بالعشوائية، بل يُبنى بالوعي والعشق والإيمان بفكرة الوطن الثقافي الجامع.

 

ومنذ انطلاقه نجح مهرجان شرم الشيخ في أن يختزل المسافة بين المحلي والعالمي، وأن يُعيد للمسرح العربي حضوره في المشهد الدولي، فهو لا يكتفي بعروض من مختلف القارات، بل يؤسس لثقافة التبادل المعرفي والجمالي، حيث تتجاور التجارب الأوروبية الجريئة مع النبض العربي الطافح بالأسئلة والوجع والحلم، وهكذا تحول المهرجان إلى مختبر عالمي لتجديد لغة المسرح، وإلى فضاء إنساني للحوار بين الحضارات، فصار حديث النقاد والفرق المسرحية، ومقصدًا لكل من يؤمن بأن الفن طريق للسلام والتعايش.

 

يبقى إدراك أن السر في بقاء المهرجان وتوهجه المتجدد هو أنه لم يتوقف عند الشكل الاحتفالي، بل تجاوز إلى الجوهر الثقافي والفكري، فكل دورة تُضاف إلى رصيد المسرح العربي لا بوصفها حدثًا سنويا، بل كخطوة في مسار طويل من تحرير الوعي الشبابي من القيود النمطية، فلقد جعل المهرجان من شرم الشيخ مدينة السلام، منارة للفكر المسرحي الحديث، ومختبرًا مفتوحًا للحلم، ومكانًا يجتمع فيه المبدعون لا ليتنافسوا فقط، بل ليتعلموا ويكتشفوا ويتحولوا.

 

وعليه وفي عالم يموج بالصراعات والضوضاء، يبقى مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي صوتًا للإنسان في أقصى درجات تجليه، يذكرنا بأن الفن هو آخر معاقل النقاء، وأسمى أشكال المقاومة ضد الزيف، إذ إنه لا يعد مهرجانًا فحسب، بل بيان فلسفي في حب المسرح والإنسان والشباب، يقف شاهدًا على أن مصر ما زالت تُنجب الحالمين القادرين على تحويل الفكرة إلى ضوء، والضوء إلى وعي، والوعي إلى حضارة.

شاهد أيضاً

مؤتمر علمي يبحث تجليات الإسكندرية في الفن الروائي

كتب : محمد جمال الدين تحت رعاية الأستاذ الدكتور عبدالعزيز قنصوة رئيس جامعة الإسكندرية، ينطلق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *