الأحد , نوفمبر 30 2025

رحلة المجالس النيابية في مصر عبر 160 عامًا من التطور السياسي

كتبت بوسي عواد 

يُعد تاريخ المجالس النيابية في مصر مرآة حقيقية لتطور الحياة السياسية والدستورية، منذ نشأة أول مجلس نيابي عام 1866 وحتى اليوم، حيث مرت التجربة المصرية بمراحل متعددة عكست التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدتها البلاد على مدار أكثر من قرن ونصف.

 

البدايات مع مجلس شورى النواب (1866 – 1882)

 

بدأت التجربة النيابية في مصر في عهد الخديوي إسماعيل، عندما أصدر في عام 1866 مرسومًا بإنشاء مجلس شورى النواب، ليكون أول مجلس تمثيلي في تاريخ البلاد.

تكوّن المجلس من 75 عضوًا تم اختيارهم بالانتخاب غير المباشر، وكان له دور استشاري في مناقشة شؤون الدولة، لا سيما القضايا المتعلقة بالزراعة والضرائب والتعليم.

ورغم محدودية صلاحياته، فإنه مثّل نقلة نوعية في مفهوم المشاركة الشعبية وصوت الأمة.

 

مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية (1883 – 1913)

 

مع الاحتلال البريطاني عام 1882، تم إلغاء مجلس شورى النواب واستُبدل به نظام جديد يضم مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، وفقًا للائحة التنظيمية الصادرة عام 1883.

اقتصر دور هذه المجالس على مناقشة مشروعات القوانين التي تطرحها الحكومة، دون أن يكون لها حق التشريع الكامل. ومع ذلك، أسست هذه المرحلة لثقافة العمل النيابي المؤسسي داخل الدولة الحديثة.

 

العودة إلى التمثيل النيابي الحقيقي (1913 – 1923)

 

في عام 1913، تم تأسيس الجمعية التشريعية كخطوة جديدة نحو توسيع المشاركة السياسية، وجمعت بين الأعضاء المنتخبين والمعينين.

ومع اندلاع ثورة 1919 وتصاعد المطالبة بالاستقلال، أصبح من الضروري وضع دستور يضمن سلطة الأمة، فصدر دستور 1923 الذي أرسى أول نظام برلماني حقيقي في مصر، وأنشأ مجلسين:

 

مجلس النواب (منتخب).

 

مجلس الشيوخ (يضم منتخبين ومعينين).

وكانت تلك الحقبة من أزهى فترات الحياة النيابية، حيث لعب البرلمان دورًا فاعلًا في مراقبة الحكومة وسنّ التشريعات.

 

البرلمان في العهد الجمهوري (1952 – 2011)

 

بعد ثورة يوليو 1952، دخلت مصر مرحلة جديدة من الحياة السياسية، حيث أُلغي النظام الملكي وتأسست الجمهورية.

شهدت تلك الفترة تعديلات متكررة في البنية النيابية، فأنشئ مجلس الأمة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر عام 1957، ثم مجلس الشعب بموجب دستور 1971 في عهد الرئيس أنور السادات، إلى جانب مجلس الشورى الذي تأسس عام 1980 كمجلس ثانٍ استشاري.

ورغم اختلاف الأسماء، ظل الهدف هو تأكيد المشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي، وإن كانت التجربة واجهت تحديات تتعلق بالتعددية الحزبية والتمثيل الفعلي.

 

البرلمان في الجمهورية الجديدة (2014 – الآن)

 

مع صدور دستور 2014، أعيد تنظيم الحياة النيابية على أسس ديمقراطية حديثة، فأنشئ مجلس النواب كمؤسسة تشريعية رئيسية، وتلاه إنشاء مجلس الشيوخ عام 2020 لإحياء الغرفة الثانية من البرلمان.

ويعمل المجلسان اليوم في إطار رؤية الدولة لبناء الجمهورية الجديدة، التي تستهدف توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتعزيز الرقابة التشريعية وتحقيق التوازن بين السلطات.

 

رحلة المجالس النيابية في مصر لم تكن مجرد تغير في الأسماء أو القوانين، بل كانت مسيرة نضال ووعي وطني، جسدت تطلع المصريين الدائم نحو الحرية والمشاركة في صنع مستقبلهم.

ومن مجلس شورى النواب في القرن التاسع عشر إلى برلمان الجمهورية الجديدة في القرن الحادي والعشرين، تبقى مصر نموذجًا في التطور الدستوري والنيابي في العالم العربي.

شاهد أيضاً

6 أكتوبر.. يوم عبرت فيه مصر من الانكسار إلى الخلود

كتب مصطفى قطب يبقى السادس من أكتوبر عام 1973 يومًا محفورًا في ذاكرة الأمة المصرية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *