كتب مصطفى قطب
في لقاء رفيع المستوى جمع محمد بن سلمان وليّ عهد المملكة المملكة العربية السعودية مع دونالد ترامب في مقرّ الرئاسة الأميركية بالبيت الأبيض، أثار الأمير السعودي موضوعاً حساسّاً ومفصلياً في تاريخ العلاقات بين البلدين: هجمات 11 سبتمبر 2001، التي وصفها بأنها شكّلت محاولـة لتدمير التحالف الاستراتيجي الأميركي-السعودي من داخل.
قال وليّ العهد أن «هجمات 11 سبتمبر كانت تهدف لتدمير العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية»، مضيفاً: «أسامة بن لادن كان يحاول القضاء على العلاقات بين أميركا والسعودية». وعبّر الأمير عن «الحزن للعائلات في حادثة 11 سبتمبر»، مشدّداً على أن «يجب أن نحارب الإرهاب في أي مكان».
كما أكد أن المملكة اتّخذت «خطوات جوهرية في مكافحة الإرهاب والتطرّف»، وأن تعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة يشكّل «ركيزة أساسية في الحرب ضد الإرهاب».
وبهذا المعنى الثلاثي – الحزن، الاعتراف، والتحالف – وضع الأمير السعودي قراءة استباقية للعلاقة بين البلدين، ليس فقط كتحالف نفط وأمن، بل كمواجهة مشتركة لطوائف العنف والإرهاب التي ظنّت أنها تستطيع أن تفصل الرياض وواشنطن.
يأتي هذا التصريح – حسب تحليل الخبراء – في وقت تشهد فيه الساحة الإقليمية والدولية تحوّلات متسارعة: تحالفاتٌ تتغيّر، ونفوذٌ إقليمي يُعاد تحديده، وعلاقة سعودية־أميركية يُراد لها أن تتجاوز “النفط مقابل الحماية” إلى شراكة أكثر شمولا في الدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا.
التركيز على هجمات 11 سبتمبر بهذه الصيغة يحمل عدة دلالات:
توجيه رسائل إلى الداخل السعودي بأن المملكة ليست بعيدة عن ملف الإرهاب العالمي، بل أحد الأطراف الفاعلة في مواجهته.
إبراز للولايات المتحدة مفاده: هذا التحالف ليس مجرد اتفاق تجاري، بل مصير أمن مشترك.
تذكيرٌ بأن التطرف والإرهاب لا يهددان فقط البلدين، بل تحاول فكّ “شراكة استراتيجية” بحجم عالمي.
منذ أحداث 11 سبتمبر، كانت العلاقة بين واشنطن والرياض تمرّ بلحظات توتر – خصوصاً بسبب التساؤلات حول دور سعوديين في الهجمات. لكن التصريح الجديد يحاول تحويل تلك الفجوة إلى “جسر” للتعاون، عبر إضفاء الطابع الرمزي على الهجمات كاختبار وليس فقط ككارثة.
إذا نجحت الرسالة، فالمملكة الأميركية لن تُنظر إليها فقط كمنتج للطاقة، بل كشريك أمني وتكنولوجي. هذا المنحى ينسجم مع تحليل يرى أن الشراكة تتجه نحو “دمج دفاعي واقتصادي وتكنولوجي” وليس فقط علاقة تقليدية.
لكن الطريق ليس مفروشًا بالكامل: هناك مَن في واشنطن يرى أن مثل هذه التصريحات تفتقر إلى الوثائق أو الدعم القانوني، وهناك في الرياض من يطالب بأن يكون التعاون واضحاً وليس مجرد شعارات.
إضافة إلى ذلك، فإن ذِكر هجمات 11 سبتمبر بهذا الشكل قد يفتح باب التساؤلات مجدداً حول ما تمّ من تدابير بعد ذلك، والدور الذي لعبته السعودية في مكافحة الإرهاب، وهو ما يتطلّب متابعة شفافة وتحقيقاً تاريخياً واضحاً.
بهذا البيان الاستراتيجي، حدّد وليّ العهد السعودي موقع بلاده في واحدة من أهم حقب التحالف السعودي-الأميركي، وجعل من ذكرى 11 سبتمبر نقطة انطلاق نحو شراكة “ما بعد النفط” تحاول أن تجمع بين الأمن، الاستثمار، والتكنولوجيا.
إذا ما تلبّت الولايات المتحدة هذه الرؤية، يمكن أن نكون أمام فصل جديد في التحالف الأميركي-السعودي، أكثر عمقًا وأطول مدى، وأكثر ارتباطاً بالتحديات العالمية من الإرهاب إلى تغير المناخ إلى الاقتصاد الرقمي.
.
المحطة الإخبارية جريدة إليكترونية شاملة