الأحد , أغسطس 31 2025

المسرح المدرسي بين الواقع المتدهور والأمل في غدٍ مزدهر

بقلم : د. محمد جمال الدين

​لطالما كان المسرح مرآةً تعكس حضارة الأمم ورقيها، ومصدرًا أساسيًّا للمعرفة والثقافة وعلى وجه الخصوص، ويُعد المسرح المدرسي واجهة حضارية وموجهًا تربويًّا فريدًا قادرًا على تشكيل وعي الأجيال، إذ أنه ليس مجرد نشاط ترفيهي إضافي، بل هو نشاط تربوي وثقافي متكامل يمثل جزءًا من اليوم الدراسي، رغم أنه يُصنَّف إداريًّا كنشاط مستقل، إلا أنه في الواقع نشاط تكميلي يخدم العملية التربوية بشكل مباشر ومقصود، ويضاهي في أهميته التربية والتعليم، كما أنه وسيلة فعالة لتنمية شخصية الطفل من جميع جوانبها البدنية، والاجتماعية، والنفسية، والعقلية.

 

​وفي هذا السياق يبدو أن الواقع الحالي للمسرح المدرسي في مصر يتناقض بشكل صارخ مع هذه الأهمية القصوى، فبينما يُفترض أن يكون هذا المسرح أداة لتنمية الشخصية ووسيلة لتسهيل التعلم، فإنه يعاني من حالة من التدهور والانهيار، ف​على الرغم من تنظيم وزارة التربية والتعليم لمسابقات سنوية متعددة مثل مسابقة أعياد الطفولة، ومسرحة المناهج، والفنون المسرحية لمختلف المراحل الدراسية، فإن هذه الأنشطة لا تحقق أهدافها المرجوة تجاه الطلاب، وهنا تتجلى مشكلة المسرح المدرسي المصري في عدة عقبات أساسية، منها الميزانيات الضعيفة المخصصة لإنتاج العروض المسرحية وهي من أكبر التحديات، إذ أن هذا الضعف المالي يجبر موجهي التربية المسرحية على اللجوء إلى المدارس الخاصة واللغات، مما يحرم الغالبية العظمى من الطلاب في المدارس الأخرى من ممارسة هذا النشاط، وحتى المدارس القادرة ماليًا قد تمتنع عن الإنتاج لاعتقادها بأن هذه الأموال تُهدر دون فائدة.

 

كما لا يمكن إغفال ​غياب الوعي المجتمعي المؤسسي، إذ أن هناك نظرة خاطئة ومتدنية للمسرح المدرسي، حيث يُنظر إليه على أنه يقدم عروضًا دون المستوى الفني، لدرجة أن بعض المسرحيين يرفضون تسمية هذه العروض بـ “مسرحية”، وهذا الرفض يمتد ليشمل معظم الأسر المصرية، التي تفتقر إلى الوعي بأهمية الأنشطة التربوية، وتحذر أبناءها من ممارستها باعتبارها مضيعة للوقت، وتتفاقم المشكلة أكثر وأكثر بسبب بعض المعلمين الذين يستولون على حصص الأنشطة لتدريس المواد العلمية، بل ويمنعون الطلاب من المشاركة في الأنشطة المدرسية.

 

يعاني المسرح المدرسي إضافة إلى ذلك من نقص كبير في أخصائيي وموجهي التربية المسرحية، والذين يعملون في هذا المجال قد يكونون غير متخصصين أو عديمي الكفاءة، وبعضهم انضم للتوجيه بهدف الراحة لا العمل، ويضاف إلى ذلك الإعتماد على نصوص ضعيفة ومخرجين غير مؤهلين، إلى جانب الصراعات التي تظهر بين المسؤولين والمخرجين للحصول على مراكز متقدمة في المسابقات، بغض النظر عن الهدف التربوي الأساسي، إذ أن بعض مديري المدارس ينفقون الأموال على العروض بهدف التباهي وتحقيق مكاسب شخصية، مما يحول المسرح المدرسي من أداة تربوية إلى واجهة اجتماعية.

 

نقطة أخرى مفصلة وهي ​غياب الحوافز، إذ لا توجد حوافز مالية أو معنوية لأخصائيي وموجهي التربية المسرحية، مما يثنيهم عن تقديم العروض، علاوة على ذلك لا تملك أغلب المدارس مسارح مناسبة، وإن وُجدت فإنها غالبًا ما تكون غير مطابقة للمواصفات الأكاديمية أو تُستخدم كمخازن للكتب.

​إن النهوض بالمسرح المدرسي المصري يتطلب رؤية شاملة ترتكز على عدة محاور أساسية، تبدأ من تغيير المفاهيم وتنتهي بتوفير البيئة المناسبة للعمل، مع تنفيذ برامج التوعية وتغيير المفاهيم، إذ يجب تنفيذ برامج توعية مكثفة تستهدف جميع الأطراف المعنية، من بعض القيادات وصولًا إلى أولياء الأمور والطلاب، وهذا التغيير الفكري هو حجر الزاوية لتحويل النظرة المتدنية للمسرح المدرسي إلى إيمان راسخ بأهميته التربوية، مع تأهيل الكوادر وتوفير الحوافز، فمن الضروري إنشاء المزيد من الكليات المتخصصة لتخريج كوادر قادرة على قيادة التربية المسرحية، مثلما هو الحال في كليات التربية النوعية، مع رفع كفاءة الكليات القائمة، كما يجب إجراء اختبارات دورية لجميع العاملين في هذا المجال لضمان كفاءتهم وإيمانهم بعملهم، ولتشجيعهم لا بد من توفير حوافز مالية ومعنوية للعاملين المتميزين والطلاب المشاركين.

 

كما يتطلب الأمر إعادة النظر في ميزانيات إنتاج العروض المسرحية لرفع مستواها الفني، بالإضافة إلى ذلك يجب بناء مسارح جديدة مطابقة للمواصفات الأكاديمية، وتجديد المسارح القديمة، مع منع استخدامها لأغراض أخرى غير مخصصة لها، والأهم من ذلك يجب التعاون مع وسائل الإعلام لتسليط الضوء على الفعاليات المسرحية المدرسية هو أمرًا حيويًّا للغاية، فهذا التعاون يرفع من الروح المعنوية للعاملين والطلاب وأوليائهم، كما يجب استقطاب خريجي المعاهد العليا للفنون المسرحية وأقسام المسرح بكليات الآداب للعمل في توجيه التربية المسرحية، والإستفادة من خبراتهم، علاوة على وضع لائحة جزاءات لمن يثبت تقاعسه عن العمل، وإلزام الجميع بتنفيذ المسابقات مع التركيز على الهدف التربوي وهو إشراك أكبر عدد من الطلاب، كما يمكن للعروض المتميزة أن تُعرض في مدارس أخرى لزيادة أعداد المتلقين، كما يُنصح بإرسال بعثات إلى الخارج وعقد إتفاقيات تعاون مع الجهات المعنية بالمسرح المدرسي في مصر وخارجها.

​إن واقع المسرح المدرسي المصري اليوم يمثل تحديًا كبيرًا، لكنه ليس مستحيلا، فالإنهيار الذي يشهده هو نتيجة تراكمية لمشكلات إدارية، ومالية، وفكرية، ولكن الأمل في الإنبعاث يكمن في تطبيق رؤية مستقبلية شاملة، تبدأ بتغيير العقول وتنتهي بتوفير كل الأدوات اللازمة، إذ أن المسرح المدرسي ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو أداة تربوية حاسمة لتنمية شخصية الطفل، وبناء مواطن واعٍ ومبدع، وإذا تمكنت الدولة والمجتمع من إستعادة الإيمان بقيمته وتقديم الدعم اللازم له، فإن المسرح المدرسي المصري سيتحول من مجرد نشاط ثانوي إلى قوة حقيقية دافعة لتطوير العملية التعليمية وبناء مستقبل الوطن، فهل سيُستيقظ هذا العملاق النائم من سباته، ليؤدي دوره المأمول، في بناء جيل جديد، قادر على صنع الحياة؟.

شاهد أيضاً

جدلية الخيال والعلم عند عبده الزراع في “أبو الأحلام”

بقلم : د. محمد جمال الدين ​في رحاب المسرح الذي يفتح أذرعه للعوالم الساحرة، تأتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *